الأربعاء , سبتمبر 28 2022
aren

هل الصراع فعلاً بين الكنيسة والـ”نسويات” في البرلمان؟

العنف السياسي في أوجه. فمنذ دخول الملقبين “بالتغيريين” الى البرلمان، بدأت عملية “المواجهة” المتبادلة. الحوار، الأقرب الى حفلة “ردة فعل” بين النائبة حليمة قعقور، والنائب فريد الخازن على مصطلح “بطريركية”. هذا المصطلح “الفضفاض” الذي يحمل في طياته معنى “النظام” يقترب من “النظام الاجتماعي” الذي يحكم تركيبة المجتمع الذي على أساسها يبنى الأنظمة السياسية، فياخذ طابع الـ”ديناستي” (حكم عائلي) او فيودالي او غيره من اشكال، عدا الديمقراطي الذي يدخل مفاهيم جديدة، مثل التمييز الجندري والمساواة، العنف السياسي ، الكوتا النسائية، دمج الأقليات والمهمشين في عملية التمثيل وغيرها. من هذه الفكرة انطلق النائب الخازن مطالباً شطب المصطلح الذي برأيه يمس بالراعي، (البطريرك) لتشابك اللفظة من جهة، ومن جهة أخرى لان في وثيقة/ كتاب للبابا فرنسيس بعنوان Amoris Laetitia (تُرجمت بـ: “عن الحب داخل الأسرة” ويمكن أن تُترجم بـ: “فرحة الحب”)، يلفت البابا، في معرض تفسيره لبعض مضامين رسائل القديس بولس، إلى أن الأخير “كان يكتب في سياق ثقافة بطريركية تُعتبر فيها النساء خاضعات تماماً للرجال”. هذه اللفتة سمحت له بأن يعتبر أن قول بولس: “أيها النساء اخضعن لرجالكن كما للرب” (أفسس/ 22) هو قول “يعكس الاعتقادات والأعراف الثقافية التي كانت سائدة في ذلك الوقت”، وبأن يدعو إلى عدم فهمه بشكل حرفي…

الاستشهاد بالبابا فرنسيس هنا ليس الغرض منه الاحتفاء بأقواله وكتاباته، على جاري عادة صارت سائدة، ولكن الغرض منه هو توضيح أن مصطلح “البطريركية” مُستخدم حتى في تحليل النصوص الدينية ومن كبار رجالات الكنيسة.

وعليه تستغرب الزميلة في موقع “المدن” رشا الأطرش :

“ثورة” النائب “الشيخ” فريد الخازن عند سماعه مصطلح “بطريركية” (مصطلح مشتق من جذر يوناني) يتررد على لسان زميلة له، على أساس أن البطريركية بحسب فهمه، أو بالأحرى بحب قلة فهمه، مصطلح له علاقة بالكنيسة وبـ”البطرك”، وليس مبرراً البتة أن يؤدي اعتراضه إلى شطب الكلمة من محضر الجلسة!

مما يفتح السؤال الاشكالي، هل البرلمان اللبناني قابل لحياة “نسائية” عصرية، او هل ان مواجهة النساء لهذه المنظومة المختلفة ثقافياً هي العقدة:

تعتبر الأطرش أن:  عن كلمة “بطريركية”. لا شك أن المشكلة ثقافية، لكنها ليست ذات وجه واحد، وليست بالضرورة مشكلة انعدام الثقافة بالمعنى المباشر والمبسط للكلمة. ربما هناك نواب فعلاً لم يصادفوا هذه الكلمة من قبل، ولا يعرفون معناها، وهذا ليس بالأمر الذي يسرّ أحداً، خصوصاً أننا لا نتحدث عن نواب “شعبيين”، وإن كانوا شعبويين بجدارة. لكن هناك أيضاً من يعرف معنى الكلمة ويرفض استخدامها في السياق الذي استخدمت فيه، أي الرد على إسكات نائبة بهذه الطريقة أو التوجه بكلمة “بطريركية” إلى رئيس مجلس النواب، لتنبري جماعته للدفاع عنه، أياً كان الموضوع، إضافة إلى رفض استخدام الكلمة بما أنها تحيل إلى البطريرك الماروني. هنا مستوى متقدّم من المشكلة الثقافية، عندما تصبح الأفكار أو حتى الخطاب البسيط رهن المقدسات. جذر الكلمة آت في الأصل من موقع سلطة الأب، كل أب، أب العائلة، الأب الكهنوتي، الملك، الزعيم، الذَّكَر المتسلّط… والحال إن العقول المحدودة والقحط المعرفي، مع خلطة طائفية وتعصب، انغلاق وعَيش في وَهم “الخوف على الوجود” دائماً وأبداً، سيجعل نواباً مسيحيين ينتفضون إثر “زجّ اسم البطريرك” في السجال، مثلما انتفض نواب شيعة للدفاع عن ممثل طائفة وزعيم حزب.

و عن جهوزية “ثقافتنا البرلمانية والديموقراطية” للمشاركة النسائية تقول :

لا أعتقد أن أي سياق أو ثقافة تكون جاهزة لأي تغيير مسبقاً. “ثقافتنا البرلمانية”، إن كان بوسعنا إسباغ هذا التعبير الجدّي على العمل البرلماني اللبناني، لن تكون جاهزة للبرلمانيات النساء قبل انخراط البرلمانيات فيه، أي أن عملهن وأداءهن هو الذي سيخلق ثقافة جديدة او فرعية، ضمن تلك السائدة، بالتراكم…

ومن هنا على حد تعبيرها : أهمية إقرار الكوتا النسائية لضمان مشاركة نسائية مستدامة، موسماً انتخابياً بعد موسم. وربما مع الوقت، تفرز هذه الاستدامة برلمانيات لسن مجرد ديكور حزبي وطائفي يُجلسه الزعيم في مجلس النواب. وهذا انجاز حققه، في الانتخابات وبالأثر المحدود لثورة 17 تشرين، بعض النواب التغييريين الأكفاء – وأقول بعض التغييريين وليس كلهم بالتأكيد لأن بينهم من لا يفرق كثيراً عن نواب السلطة… لكنها بداية. وللأمانة والموضوعية، لا أعتقد أن المشكلة في ما حصل مؤخراً في مجلس النواب هي الذكورية وحدها، فهناك الأعطاب المعروفة في النظام اللبناني، إضافة إلى الشقين السياسي والجيليّ أيضاً. فالنائبات اللواتي تعرضن للقمع اللفظي هن أيضاً صاحبات خطاب مُعارض للمنظومة (مهما كان هزيلاً ومتناقضاً واستعراضياً في حالة بعض النائبات وحتى النواب الجدد). وبينهن أيضاً شابات، كما هي الحال مع النائبة سينتيا زرازير. و”البطريركية” ليست فقط تفرّد ذكور بالقرار والسلطة، بل هم أيضاً “الآباء” الذين “يربّون” الأبناء/البنات في سياق الأداء البرلماني والسياسي. وقد رأينا أمثلة سابقة على ذلك حتى مع نواب شباب “تقليديين” أو حزبيين أو وارثين مقاعدهم. المعضلة متشعبة بالتأكيد، لكن انطلاق النقاشات العامة حولها ربما يمهد لتحولات لافتة خلال السنوات المقبلة، خصوصاً في ظل الأزمة الراهنة.

اذا هذا الخلط المفاهيمي، الذي يجنح الى عالم الاكاديميا، يستحق حلقات نقاشية علمية، ليس لحلها برلمانياً، بل للتوعية حولها. فلتبادر الجامعات والجمعيات اذا على بث الوعي.

 

عن Rita Chahwan

ريتا بولس شهوان، صحافية وباحثة ساهمت في عدد من الكتب منها "الكويت وإرادة الاستقلال في الوثائق العثمانية" و "ماذا فعل مدحت باشا في الخليج"(ذات السلاسل) وعملت في عدد من الصحف والمواقع الالكترونية العربية. تلقت تدريبات دولية على الاستقصاء وتخصصت في الاستقصاء الاجتماعي – الاقتصادي كما تولي اهمية كبيرة للشأن السياسي.

شاهد أيضاً

داوود رمال: الحكومة مسالة ستبقى الى ربع الساعة الأخير

الكباش بين موضوع تسليم كرسي الرئاسي فارغًا أو تشكيل الحكومة سيبقى الى الربع الساعة الأخير …