الإثنين , أغسطس 15 2022
aren

مع كل استحقاق جديد… يعود مرفأ جونية السياحي الى الواجهة

بعد تعقّد العمل في مرفأ جونية السياحي. والحبكة في التمويل. وتوقفت الأعمال به. أعلن وزير الاشغال امس العودة الى العمل في المشروع. تاريخ هذا المرفأ مضني. حلّت جميع الإشكالات سابقا، والتي كان أساسها تحديد موقع هذا المرفأ الضخم، قبل وضع حجر الأساس، مع تفهّم الرهبنة المارونية ضرورة أن تستثمر الدولة اللبنانية في أراضيها، وهي تضحية ضخمة من المؤسسة الكنسية كما يخبر مصدر كنسي، لصالح الدولة. وما إن تمّ التوصل الى حل معل معها لتغيير وجهة استعمال الأرض – قرب البورتميليو التي تملكها الرهبنة- من مشروع خاص الى مشروع عام، حتى أصيب المشروع “بالعين”. هذه العين بدّلت بالقيمة المرصودة بقيمة 60 مليار ليرة من ميزانية وزارة الأشغال للمباشرة بالاعمال، والذي قدّر على سعر الصرف الرسمي القديم وعادل يومها عام 2017 الأربعين مليون دولار. أما اليوم هذا المبلغ باللبناني يعني بالدولار 3 ملايين دولار علمًا ان المشروع قيمة تنفيذه تصل الى الـ 80 مليون دولار وحسب النائب السابق روجيه عازار الذي يتابع الملف، كانت شركة المرافئ العربية ستتولى التمويل بـ40 مليون دولار من أصل كلفة تنفيذه. يبرر عازار لم المتعهد داني خوري، المعاقب اميركيا لا يمكنه أن يكمل على سعر الصّرف الرسّميّ (1500 ليرة لبنانية) مؤكّدًا أنَّه توقّف عن الأعمال بعد ردم 450 متراً في البحر، وأنَّ مسألة تعليق العمل (قبل اعلان الأمس)، لا علاقة لها بالعقوبات الأميركية الواقعة على المتعهد خوري. تشرح احدى المصادر القريبة من المتعهد خوري الى ان الدولة لم تصدر تعويضات بسبب سعر الصرف لدفعها الى المتعهدين، ليكملوا بالعمل، علمًا ان الجزء التاني من الانشاء اقترب الى نهايته ولكن لم يعد هناك من تمويل كاف بسبب تدني سعر الصرف. .. وللأسف لم يكن للدولة خطة “ب” في حال حدوث مخاطر او كوارث تمويلية كما هو الوضع اليوم. الا ان اعلان حمية ما زال ضبابيًا، فمن اين اتى بالتمويل؟

يخبر ابن الراحل جورج أبو معشر (من جمعية انماء كسروان )، مروان، كيف جال والده وسعى عبر الجمعية الى تفعيل المشروع، الا ان العقبات كانت تظهر تباعاً. مع ذلك أصر على وجود دراسة لشركة المانية تبدل وجهة المرفا، الذي كان موجوداً أيام الحرب والقصف، محددًا بان احد المناطق الصالحة هي المستخدمة اليوم وهي قرب “البورتميليو”، حيث تم وضع الحجر الأساس عام 2017. هذا ليس المشروع الوحيد الذي كان مطروحًا عن يد أبو معشر، بل “بولفار”، وسنسول في جونية وكلها مشاريع دخلت الادراج. سائلا: “أي مشروع تم السير به من كل ما تكلموا به؟”.

نذهب الى المقرّ المشار اليه للتاكد من سير الأعمال، فيتعذّر الدخول إلى الـ”بورة” بفضل الأسلاك الشائكة. تبحث عن عامل في المكان، قرب مركبات النقل والحفر، فلا تجد حتّى ناطورًا يحرس مخلّفات العمل. فقط مزارعو “الخسّ” في محاذاة المرفأ المستقبليّ، هم المؤشّر على وجود حياة ما. سألناهم إن كان هناك من يزور المكان، فكان جوابهم بالنّفي: ولا حتّى أيّ مهندس.

في تاريخ المنطقة، ليست المرة الأولى التي تحدث بلبلة حول قضية هذا المرفأ، وكانت الحجة دائمًا التمويل، والموقع. وان حلت المشكلة الأولى تظهر الثانية. هكذا عدنا الى جذور فكرة المرفا في كسروان مع المهندس المدير في شركة جوزيف خوري للتعهدات، فوزي البواري، الذي عمل أيام فؤاد شهاب على تأسيس المرفأ المؤلف من ثلاث احواض مع فؤاد شهاب عام 1965، عندما كان هناك دولة. هذه الاحواض الثلاثة هي عبارة عن واحد سياحي، المعروف اليوم بنادي اليخوت ضمن نطاق الـ ATCL، الثاني للجيش والثالث للصيادة بتكلفة. يقدر تكلفة انشائه بـ 2 مليون دولار وفق أسعار الدورة الاقتصادية يومها. حجم هذه الاحواض صغير نسبة لطموحات الدولة اللبنانية عام 2022، والبنية التحتية الحالية لمدينة جونية داخليًا لا تتحمل ضغط التوسع في القديم،  فكان القرار ان يستقر الجديد على حدود جونية التي تتقاطع مع بلديات متعددة منها الزوق فجعلت منه موقعاً استراتيجيا على حد تعبيره. يعود بالذاكرة التي هي قصة تاريخ شهاب، الى حين وضع الخرائط أي في الـ 1965، عندما كان في الدولة اللبنانية اموالاً، اخبرنا ان مرفا جونية القديم هو الوحيد الذي نفذ خلال 3 سنوات دفعة واحدة وليس على مراحل كما مرافئ لبنان الأخرى او كما يحصل اليوم. يسخر من منهجية العمل اليوم بالمقارنة مع منطق الدولة القوية، فعند التنفيذ أيام فؤاد شهاب، تلكأ المتعهد الأول في العمل فسحبت أوراق المشروع منه وتم إيجاد بديل بسرعة. فسّر لنا مخاوف النائب السابق حكمت ديب، الذي أشار في حديث سابق معنا، الى انه تمت زيارة وزير الاشغال الحالي علي حمية لمتابعة سير الاعمال في المرفا كي لا تنجرف مع الأمواج، معتبرًا بواري أن هذه المخاوف هي سراب ان كان المتعهد خوري قد أمن حماية لكل مرحلة تنجز وهذه الحماية تعتمد على التمويل وان كان العمل وفق الأصول لا يجب ان تذهب الاعمال مهب الريح، سائلا: هل هم يعترفون ان الاعمال تقنيًا غير صالحة؟

لا يتأمل النائب السابق شامل روكز خيرًا بالمستقبل القريب إن استمرّ العمل بهذه الطريقة. والحل الوحيد بنظره لتسريع الافتتاح، هو أن يُلزَّم هذا المشروع، قبل التَّنفيذ، للقطاع الخاص بالشراكة مع القطاع العام ليكملا الأعمال، وهذا الأمر يحتاج إلى حكومة جديدة. ويركّز روكز على ما بعد مرحلة الانتخابات مراهناً على حجم البواخر التي يمكنها أن تحمل 5000 شخص إلى لبنان دفعة واحدة.

هل الحكومة الجديدة قادرة على اتّخاذ قرار بالحصول على تمويل خارجي، أو خصخصة عملية البناء؟ لا جواب حتّى الساعة، ولكن ما يمكن تأكيده وفق الخبيرة الاقتصادية دانيال حاتم أنّه ضمن مرحلة أولى سيخلق هذا المشروع فرصاً توظيفيّة، خصوصاً في قطاع البناء. وتشير حاتم إلى أنّه وحتّى بالشراكة مع القطاع الخاص، يجب تحديد جنسيّة هذه اليد العاملة إن كانت لبنانية أو غير ذلك. ولتأمين استفادة محيط الموقع والمناطق المجاورة تنصح دانيال بوضع دراسة للفائدة الاقتصادية والحاجة التي تسير بشكل موازٍ مع حجم المرفأ السياحيّ والبواخر وعددها. فهل تحمل الوزارة مشعل هذا المشروع، أو يعود إلى الأدراج؟ الأكيد وفق الناشط الكسرواني شاكر سلامة أنه مع كلّ عهد جديد، أو مع كلّ حكومة جديدة سترفع “آرمة” المرفأ بكونها جرعة أمل، ولكن لن يتخطّى العمل الحجر الأساس. فهل اعلان حمية يقع في هذا السياق؟

عن Rita Chahwan

ريتا بولس شهوان، صحافية وباحثة ساهمت في عدد من الكتب منها "الكويت وإرادة الاستقلال في الوثائق العثمانية" و "ماذا فعل مدحت باشا في الخليج"(ذات السلاسل) وعملت في عدد من الصحف والمواقع الالكترونية العربية. تلقت تدريبات دولية على الاستقصاء وتخصصت في الاستقصاء الاجتماعي – الاقتصادي كما تولي اهمية كبيرة للشأن السياسي.

شاهد أيضاً

هل يحل صندوق النقد أزمة موظفي القطاع العام؟

التعامل مع عمال القطاع العام، بمنطق الباحث عن السلطة، او تخطي الوزير، او حتى المفاوض …