الجمعة , يونيو 24 2022
aren

رفع السرية المصرفية في دعوى الاثراء غير المشروع

بقلم عبده جميل غصوب *

 

1 – جاء في المادة 7 من قانون سرية المصارف الصادر في 1956/9/3 انه ” لا يمكن للمصارف المشار اليها في المادة الاولى ان تتذرع بسر المهنة المنصوص عليه في هذا القانون بشأن الطلبات التي توجهها السلطات القضائية في دعوى الاثراء غير المشروع المقامة بموجب المرسوم الاشتراعي رقم 38 تاريخ 18 شباط سنة 1953 وقانون 14 نيسان سنة 1954″. غير  ان المرسوم الاشتراعي والقانون اعلاه اللذان كانا يحكمان الاثراء غير المشروع ، وقد الغيا بالقانون رقم 154 تاريخ 1999/12/27: الذي الغاه بدوره القانون رقم 189 تاريخ 2020/10/16، المنشور في الجريدة الرسمية عدد 41 تاريخ 2020/10/22.

2 – وقد نص هذا القانون تحت الباب الثالث المعنون : ” عناصر جرم الاثراء غير المشروع واصول المحاكمة والمعاقبة“. وفي فصله الاول المعنون ” جرم الاثراء غير المشروع “، وفي المادة 11 ـ فقرة ب تحت عنوان ” اصول الملاحقة الجزائية والمداعاة المدنية” انه ” تطبق اصول الاستقصاء والتحقيق والمحاكمات الواردة في  قانون مكافحة الفساد في القطاع العام وانشاء الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد ” ( قانون رقم 175 تاريخ 2020/5/8.

3 – نصّت المادة الاولى من ” قانون مكافحة الفساد في القطاع العام وانشاء الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد ” ـ البند أ ـ الفقرة 2 انه ” تعتبر من افعال الفساد الجرائم الواقعة على الادارة العامة والمنصوص عنها في الفصل الاول من الباب الثالث من الكتاب الثاني من قانون العقوبات، ما خلا النبذة الرابعة منه، والاثراء غير المشروع، وافعال الفساد التي ترد في الاتفاقيات والمعاهدات الدولية التي انضم وسينضم اليها لبنان والتي تعنى بمكافحة الفساد”.

4 –  وعن صلاحيات الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد، نصّت المادة 19، فقرة أ ، من قانون مكافحة الفساد وانشاء الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد رقم 175 تاريخ 2020/5/8، على ما يلي:

” تتمتع الهيئة بالصلاحيات التالية:  استقصاء جرائم الفساد سواء في لبنان او خارجه، عفوا او بناء على ما تتلقاه من كشوفات، ولها، خلافا لاي نص آخر، ان تطلب مساعدة الصابطة العدلية ومعاونيها لجهة الحصول على المعلومات المتوافرة لديها مع الاحتفاظ بسريتها.

اذا ارتأت الهيئة خلال الاستقصاءات التي تقوم بها انه من الضروري التحقيق في حسابات مصرفية معيّنة، لها ان توجّه طلبا معللا الى  هيئة التحقيق الخاصة  المنصوص عنها في القانون المعجّل رقم 44 / 2015 المتعلق بمكافحة تبييض الاموال وتمويل الارهاب لتمارس هذه الاخيرة صلاحياتها المنصوص عنها في القانون المذكور. في حال قررت هيئة التحقيق الخاصة رفع السرية المصرفية عن الحسابات المعنية، تبلغ قرارها الى الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد، في فترة اقصاها خمسة عشرة يوما. وفي حال لم تستجب هيئة التحقيق الخاصة يجوز للهيئة الوطنية لمكافحة الفساد ان ترفع بقرار مستقل ومعلل السرية المصرفية عن الحسابات في حال وجود شبهة “.

5 – وقد نصت المادة 8 من القانون رقم 318 تاريخ 2001/4/20 ( قانون مكافحة تبييض الاموال ) [1]  في البنود 2 و 3 و 4 منها على ما يلي:

” الفقرة 2 ـ بعد تدقيق المعلومات ، تتخذ الهيئة ( هيئة التحقيق الخاصة ) ضمن مهلة ثلاثة ايام عمل، قرارا مؤقتا بتجميد الحساب او الحسابات المشبوهة لمدة خمسة ايام قابلة للتجديد مرة واحدة… واذا كان مصدر الاموال لا يزال مجهولا او اذا اشتبه بانه ناجم عن جرم تبييض اموال، وفي خلال المهلة المذكورة تقوم الهيئة بتحقيقاتها بشان الحساب او الحسابات المشبوهة اما مباشرة او بواسطة امين السر لديها او من تعيّنه من بين مفوضي المراقبة ويقوم كل من هؤلاء بمهامه شرط التقيّد بالسرية المصرفية ودون ان يعتد تجاهه باحكام القانون الصادر بتاريخ 1956/9/3 المتعلق بسرية المصارف.

الفقرة 3– بعد اجراء التحقيقات وخلال مهل التجميد المؤقت للحساب او للحسابات المشبوهة تصدر الهيئة قرارا نهائيا اما بتحرير هذا الحساب اذا لم يبيّن لها ان مصدر الاموال غير مشروع واما برفع السرية المصرفية عن الحساب او الحسابات المشتبه بها ومواصلة تجميدها. وفي حال عدم اصدار الهيئة اي قرار بعد انقضاء المهلة، كما هو منصوص عنه في الفقرة الثانية اعلاه، يعتبر الحساب محررا حكما. ولا تقبل قرارات الهيئة اي طريق من طرق المراجعة العادية وغير العادية، الادارية او القضائية بما في ذلك المراجعة لتجاوز حد السلطة.

الفقرة 4 – عند الموافقة على رفع السرية المصرفية، على  الهيئة ، ان ترسل نسخة طبق الاصل عن قرارها النهائي المعلل الى كل من النائب العام التمييزي والى الهيئة المصرفية العليا بشخص رئيسها والى صاحب العلاقة والى المصرف المعني والى الجهة الخارجية المعنية، اما مباشرة واما بواسطة المرجع الذي وردت المعلومات عن طريقه “.

6 – واخيرا نص القانون رقم 532 تاريخ 2008/10/16 ، في مادة وحيدة، على توسيع صلاحية هيئة التحقيق الخاصة، المنشأة بموجب القانون رقم 318 تاريخ 2001/4/20، المتعلق بمكافحة تبييض الاموال على ما يلي:

” مادة وحيدة : يحصر بـ هيئة التحقيق الخاصة المنشأة بموجب القانون رقم 318 تاريخ 2001/4/20 المتعلق بمكافحة تبييض الاموال صلاحية تجميد ورفع السرية المصرفية عن الحسابات المصرفية وذلك تطبيقا للاتفاقيات والقوانين المرعية الاجراء المتعلقة بمكافحة الفساد، لا سيما اتفاقية الامم المتحدة لمكافحة الفساد، على ان تعتمد بهذا الخصوص الاصول المنصوص عنها في القانون رقم 318/ 2001 المذكور اعلاه”.

7 – في ضوء كل تلك النصوص يطرح السؤال التالي : هل يستطيع المرجع القضائي الناظر بجرائم الاثراء غير المشروع الناشئة عن الفساد او تبييض الاموال ان يطلب من المصارف رفع السرية المصرفية ؟ أم عليه احالة الملف الى هيئة التحقيق الخاصة، التي تعتمد بهذا الخصوص الاصول المنصوص عنها في القانون رقم 318 تاريخ 2001/4/20 المتعلق بمكافحة تبييض الاموال ؟

لا يمكننا ـ ولو في عجقة النصوص والقوانين المستعرضة اعلاه [2]  ـ الا ان نجزم بانه على المرجع القضائي المختص ان يحيل طلب رفع السرية الى هيئة التحقيق الخاصة في مصرف لبنان، المختصة حصرا بتجميد الحسابات ورفع السرية المصرفية، على ان تعتمد هذه الاخيرة، بهذا الخصوص الاصول المنصوص عنها في القانون رقم 318/2001 تاريخ 2001/4/20، كما هو مبيّن اعلاه.

ولا يمكن ـ باي حال من الاحوال ـ عزل المادة 7 من قانون سرية المصارف تاريخ 1956/9/3 عن سائر النصوص المتشابكة ـ للقول بانه يعود للمرجع القضائي ان يطلب من المصارف مباشرة رفع السرية المصرفية او تجميد الحسابات، لان في ذلك مخالفة فاضحة لاحدى القواعد الاساسية التي تحكم تفسير النصوص التشريعية، المكرسة في المادة 4 أ.م.م والتي تفرض على القاضي، عند تفسير النص القانوني، ” ان يؤمن التناسق بينه وبين النصوص الاخرى[3].

هذا فضلا عن ان النصوص المستعرضة في هذا البحث، احدث تاريخا من قانون السرية المصرفية. واخيرا لكون المادة 7 التي قد يرى البعض تطبيقها لالزام المصارف برفع السرية المصرفية او بتجميد الحسابات، لا تتضمن اية آلية. في حين ان القانون رقم 532 تاريخ 2008/10/16، حصر بهيئة التحقيق الخاصة المنشأة بموجب القانون رقم 318 تاريخ 2001/4/20 المتعلق بمكافحة تبييض الاموال، صلاحية تجميد ورفع السرية المصرفية عن الحسابات المصرفية، وفقا للاصول الخاصة المنصوص عنها في القانون رقم 318 تاريخ 2001/4/20 المتعلق بمكافحة تبييض الاموال.

8 – يبقى اذ نشير في النهاية الى ان القانون هو القانون La loi c’est la loi وان القانون قاس ولكن هذا هو القانون Dura lex sed lex .

وان القانون هو في الحالة الوضعية التي هو عليها De lege lata  وليس كما نتمنى ان يكون De lege feranda. فتطبيق القانون يحتاج الى واقعية Réalisme بعيدا عن تطويع النصوص القانونية ، عبر الافراط في اللجوء الى قواعد التفسير بما يتلاءم مع رغباتنا الذاتية.

يبقى في النهاية ان نتمنى أمرين:

الامر الاول هو جمع كل هذه النصوص في قانون واحد جامع، بدلا من ان تبقى مبعثرة، ما يسهّل تطبيقها والرجوع اليها.

والامر الثاني هو اطلاق يد القضاء في موضوع رفع السرية المصرفية، وليس حشرها في آلية معقدة، كثيرا ما تؤدي الى تعطيل الغاية المنشودة من رفع السرية المصرفية؛ بل اكثر من ذلك، الم يحن الوقت لالغاء السرية المصرفية؟ السنا في زمن الحق بالوصول الى المعلومات اذ باتت الشفافية احدى غايات الدول الحديثة ؟ ولكن بالانتظار حذار من “اللعب” بالقانون انه أقدس مقدساتنا.

  * دكتور في الحقوق، بروفسور لدى كليات الحقوق، محام بالاستئناف، مستشار قانوني في الامارات العربية المتحدة ـ دبي.

[1]  بموجب المادة الاولى من قانون مكافحة تبييض الاموال تعتبر جرائم الاثراء غير المشروع من بين جرائم تبييض الاموال.

[2]  ندعو بالمناسبة الى توحيد كل هذه القوانين بقانون واحد، بدلا من ابقاء هذه المادة مبعثرة بين عدة قوانين ونصوص، ما يسهّل المراجعة بشانها.

[3]  راجع ، عبده جميل غصوب، المدخل الى العلوم القانونية، صادر، 2018، ص 258.

عن Rita Chahwan

ريتا بولس شهوان، صحافية وباحثة ساهمت في عدد من الكتب منها "الكويت وإرادة الاستقلال في الوثائق العثمانية" و "ماذا فعل مدحت باشا في الخليج"(ذات السلاسل) وعملت في عدد من الصحف والمواقع الالكترونية العربية. تلقت تدريبات دولية على الاستقصاء وتخصصت في الاستقصاء الاجتماعي – الاقتصادي كما تولي اهمية كبيرة للشأن السياسي.

شاهد أيضاً

نهج الممطالة بالملف 69… بين يد بيطار وصلاحيات مزهر

تجاوز او لم يتجاوز صلاحياته القاضي حبيب مزهر الذي هو جزء من مجلس القضاء الاعلى، …