الجمعة , يونيو 24 2022
aren
Image processed by CodeCarvings Piczard ### FREE Community Edition ### on 2019-06-23 12:56:23Z | |

التنقل حقّ لذوي الإحتياجات الخاصة والإعاقة يضمنه القانون وتسقطه الدولة من حساباتها

 ريتا بولس شهوان

لذوي الإحتياجات الخاصة والإعاقة في لبنان حقّ في التنقل يضمنه القانون 220/2000، إلّا أنّهم محرومون من حقّهم هذا. أن ينتظروا باصاً في الموقف المخصص لهم، أن يصعدوا إلى هذا الباص، وأن يقصدوا أي وجهة يختارونها لأي هدف كان، في أي ساعة من النهار، أمور يكاد تحقيقها يكون من المستحيلات. فبالإضافة إلى المصاعب الجسدية التي تسبّبها لهم إعاقتهم، هم عرضةٌ أيضاً لأعباء إقتصادية جمّة تقع على كاهلهم إن أرادوا تحقيق أدنى طموحاتهم بالانتقال من مكان إلى آخر سعياً للدراسة أو العمل أو الترفيه.

يبلغ عدد حاملي بطاقة الإعاقة في لبنان 120 الفاً، وتحدّد أرقام البنك الدولي ومنظمة الأمم المتحدة بـ 15% نسبة سكان لبنان من ذوي الإعاقة، 17% منهم يمارسون عملاً وبالتالي يواجهون، بشكل شبه يومي، صعوبات التنقل. أمّا كيف يتخطون هذا الواقع وينجحون بالوصول إلى أماكن عملهم، فهذه تحديات يواجهونها بحلول فردية ومكلفة قد لا تحقّق النتيجة الفضلى المرجوّة.

سيارة الأجرة الخاصة أو الـ”تاكسي” الذي تؤمّنه شركات خاصة، وسيلة مناسبة تلجأ إليها غالبية الراغبين في التنقل من ذوي الإحتياجات الخاصة الذين تمّ استطلاع آرائهم في هذا الشأن. لكن معظمهم اشتكى من الثمن المرتفع المترتب عن استخدام وسيلة النقل هذه، ما يجبرهم في كثير من الأحيان على اللجوء إلى خيارات أقل كلفة. لكنهم، في مطلق الأحوال، يخوضون مواجهة مزدوجة إذ يواجهون إعاقتهم ويقاومون الصعوبات التي تفرضها عليهم بيئة لا تأخذ بالاعتبار حاجاتهم الأساسية، ولا يستسلمون.

 

ألف قصة وقصة

روان المصابة بعمى نصفي، درّبت نفسها على اعتماد النقل المشترك العام. تعرّضت مرّات عديدة للنصب والاحتيال، إذ يستغل سائق آلية النقل المشترك عدم قدرتها على تمييز فئات الأوراق النقدية ليأخذ كل ما في يدها ويعيد لها ما يناسبه. لذا، عمدت إلى تقسيم الأموال بما يتناسب والمبلغ المتوجب عليها دفعه لقاء “أجرة الطريق”. وهي الآن باتت تتنقل على متن باصات تابعة لشركة تسعيرتها محدّدة سلفاً، كما تلجأ إلى نظام الشكاوى المعتمد من قبل هذه الشركة في حال احتاجت للإعتراض على خدمة سيئة أو لطلب الحماية من استغلال محتمل.

أمّا حسّان، وهو كفيف، فقد ثابر على تنمية حاسة السمع لديه والقدرة على استشعار السيارات، فإن توقفت إحداها بقربه، سأل المارّة إن كان رقمها أحمر (سيارة أجرة للخدمة العامة من نوع “سرفيس”) أو أبيض (سيارة خاصة)، متّكلًا على حاسته السادسة للوثوق بالمعلومات التي يحصل عليها. تمكّن حسّان من بناء شبكة علاقات مع عدد من السائقين العموميين الذين يطلب منهم نقله من أمام منزله إلى المكان الذي يقصده، لقاء دفعه تكاليف إضافية ثمن هذه الخدمة، باعتبار أنه دائماً ما يلزم السائق العمومي بتغيير وجهته الأصلية بما يتناسب وطلبه. وتبقى هذه التكاليف الإضافية طفيفة نسبياً بما أنّ وجهته غالباً ما تكون ضمن نطاق منطقة محدّدة. إنّ هذه التحديات اليومية لم تدفع بحسّان إلى رفض أي عرض عمل.

أمّا ربى، التي تقطن في صيدا، فهي غير قادرة على التعامل مع هكذا معوّقات، والاعتماد على شبكة سيارات الـ”سرفيس”. فتصل كلفة وصولها الى بيروت إلى حدّ المليون ليرة بما أنها تعتمد على سائق خاص. حاولت أن تجد خيارات أخرى غير سيارات الـ”تاكسي” التابعة لشركات خاصة، لكنها دائماً ما تصاب بالخيبة، إذ لا قدرة لها على استخدام وسائل النقل المشترك. هي تطمح أن يتمّ تسيير باصات تراعي مواصفاتها حاجات ذوي الإعاقة، فيتمكّن هؤلاء من مجالسة سواهم من مستخدمي وسائل النقل العام.

تعاني عهود من مشاكل في الحركة ما يجعلها تتنقل على كرسي متحرّك وتستعين بأهلها أو بسائق “تاكسي” خاص وبقريب لها يرافقها في تنقلاتها، فهي تخاف من الغرباء، ومن احتمال تعرّضها لأذى جسدي أو عنف من أي نوع كان، كونها فتاة مصابة بإعاقة تصعّب عليها الانتقال من مكان إلى آخر. تعمل عهود في محل لتزيين التذكارات، ما يجعلها تلازم المنزل، وعند حاجتها للذهاب إلى جلسات التدريبات التي تخضع لها دورياً، تطلب من زملائها أن يؤدّوا لها خدمة إيصالها. وإن تعذر الأمر، تُسقط التدريبات من حساباتها نظراً لطول المسافات وغياب المواصلات الخاصة.

ليس هذا كل ما يمكن ان يشكّل عائقًا أمام شخص من ذوي الإعاقة كيحيى يريد استعمال الكرسي النقّال للتوجه إلى عمله في الشارع المقابل لمنزله، لأنّ عرقلات إضافية تعترض سبيله: الطريق غير المؤهل غالباً ما يعرّضه للوقوع أرضاً كما حصل معه مراراً، وذلك لارتطام كرسيّه بمطبات وجوَر ومسامير لا تظهر للعيان، لا سيّما  في فصل الشتاء عندما تغمر مياه الأمطار الأرض وتغطي تشوّهاتها. وإن تعذر على يحيى استخدام كرسيّه بسبب هطول المطر، لجأ إلى الـ”سرفيس” الذي يتقاضي ضعف الأجرة، حاسباً حساب يحيي والكرسي. كما أنّ المسافات البعيدة أو كلفة الـ”سرفيس” تمنعه، في  معظم الأوقات، من التوجّه إلى العمل، إذ أنّ ما يتقاضاه في اليوم لا يغطي كلفة ما ينفقه على التنقل.

وكما يحيى يدفع، في كل مرّة يستقلّ فيها سيارة أجرة، عن شخصين، كذلك تفعل رنا الكفيفة بما أنه، في بعض الأحيان، يرافقها شخص في تنقلاتها. لقد أسقطت من حساباتها منذ زمن فكرة السير، خصوصاً في منطقة الدورة المزدحمة، لأنّ المهمة شاقة بسبب كثافة الأشخاص والسيارات. وبفضل خريطة غوغل، أصبحت رنا بمثابة دليلٍ ترشد السائق الذي يوصلها إلى الموقع الذي تقصده. ولو أنها لم تستأجر منزلاً قريباً من مكان عملها، لكانت تراجعت أيضاً عن فكرة استخدام سيارة أجرة.

بعض المكفوفين يعتمدون على العصا البيضاء إن أرادوا التنقل سيراً كما يفعل سامي وهو ضرير. لكنه يشكو من غياب الأرصفة المناسبة للمشي أو من عدم جهوزية تلك الموجودة. كما ينتقد عدم وجود أسماء محدّدة للشوارع يمكن الاعتماد عليها للدلالة على وجهته، ويشكو من مشاريع البنى التحتية التي تنفذها البلديات والتي تظهر دون سابق إنذار، فيتخلى عن عصاه ليلجأ إلى السائقين غير المدرّبين على التعامل مع ذوي الاحتياجات الخاصة. ويضطر سامي إلى أن يرشد السائق ليصل الى مآله وأن يدفع له أكثر من التعرفة المتداولة.

هل تجهيز السيارات حل؟

إضافةً إلى جهودهم الحثيثة لتخطي عوائق النقل المشترك واعتماد طرق مبتكرة لتأمين وصولهم الى أماكن عملهم، بعض الأشخاص من ذوي الإحتياجات الخاصة يعتبرون أنفسهم من المحظوظين لتمكّنهم من اعتماد حلول فردية، كرئيسة الإتحاد اللبناني للأشخاص المعوقين حركياً سيلفانا اللقيس. اللقيس تستخدم سيارة مجهزة، وتعتبر نفسها من الأقلية القادرة على امتلاك هذا النوع من السيارات. فبشرائها هذه السيارة وتعديلها بما يتناسب وحاجتها، تغيّرت حياتها ونالت استقلاليتها. لقد جهزتها آخذةً في الحسبان تجارب آخرين من ذوي الإعاقة. طلبت من الحداد القيام ببعض التعديلات البسيطة ثمّ، مزوّدةً بتقرير طبيّ، خضعت لامتحان للحصول على رخصة السوق المخصّصة لذوي الإعاقة بموجب القانون 220/2000. هكذا بدأت بقيادة سيارتها الـ”أوتوماتيك” بيد واحدة.

بلغت كلفة التجهيزات التي زوّد بها الناشط في الإتحاد اللبناني للأشخاص المعوقين حركياً فادي صايغ سيارته 12 ألف دولار لأنه أراد استعمال كرسيّه المتحرّك أثناء القيادة. يعتبر إدي أنّ الحلول الفردية ليست جذرية، وبالتالي يجب التركيز على تأهيل قطاع النقل المشترك بشكل شامل ودامج، بما يناسب ذوي الإحتياجات الخاصة. ويسأل: “لو لم يكن لديّ القدرة المالية، ماذا كنت سأفعل؟”.

يحمّل فادي مسؤولية شبه انعدام إمكانية التنقل لذوي الإحتياجات الخاصة إلى السلطات الرسمية التي لا تعمل على تأمين حقوق هذه الفئة من المواطنين، ومنها حقّ التنقل. فبنظره، على الدولة أن تعمل على تواصل الناس بعضهم بالبعض الآخر، وربط المناطق، وذلك من خلال تسيير الباصات المناسبة. فهي، بتلكؤها عن القيام بهكذا تدبير، تمنع ذوي الإحتياجات الخاصة من ممارسة حقوقهم وتخرق مفهوم العدالة بالتنقل.

 

لمَ لم يُنفذ القانون وما الحلول؟

مع صدور القانون 220/2000 الذي ينص على وجوب تجهير 15% من أسطول النقل العام بما يتناسب وحاجات ذوي الإعاقة، أخذت هذه الشريحة من المواطنين حقها… على الورق. فالحالة لم تتبدّل بظل عدم تطبيق القانون، وحتى عدم توفر مركبات وباصات لدى مصلحة النقل المشترك، وعدم إلزام القانون القطاع الخاص بتجهيز حافلاته.

يلقي عضو جمعية حقوق الركاب شادي فرج مسؤولية حل أزمة تنقل ذوي الإعاقة والإحتياجات الخاصة على عاتق وزارات عدّة. ويشير إلى ضرورة تطبيق القانون بعد إدخال تعديلات على نصه ليشمل كل أنواع النقل. ويعتبر فرج أنّ تسهيل حركة المعوّقين تساهم في تحريك العجلة الإقتصادية عبر الاستفادة من قدراتهم، مشدّداً على أنّ هذا الأمر كان من الممكن أن يتحقّق لو لم يتوقف تنفيذ مشروع الباص السريع. ويلفت إلى دور البلديات في تأهيل الأرصفة والبنية التحتية.

بالنسبة لسفير النوايا الحسنة الإقليمي لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي ميشال حداد، وهو أيضاً من ذوي الإعاقة، إنّ تخلّف لبنان عن المصادقة على معاهدة الأمم المتحدة الخاصة بإعطاء ذوي الإعاقة حقوقهم عبر القانون يعيق منح ذوي الإحتياجات الخاصة حقوقهم، بما فيها الحقّ في التنقل. وهو يعتبر أنّ المسألة تحتاج إلى سلسلة من السياسات المحدّدة التي تُترجم إلىمراسيم تطبيقية تنفذها الوزارات المعنية، ليتحوّل القانون الى حقيقة، ولتتمّ عملية دمج ذوي الإعاقة في المجتمع، بدءاً بالسماح لهم بالتنقل بسهولة. ويشير حداد إلى أنّ إقصاء هذه الفئة من المواطنين يلقي على الدولة عبئاً مالياً كبيراً نتيجة ارتفاع الفاتورة الصحية المترتبة عن تهميش هؤلاء الأشخاص وحصرهم في منازلهم.

لدى سؤال المدير العام ورئيس مجلس إدارة مصلحة سكك الحديد والنقل المشترك زياد نصر عن مصير تطبيق القانون 220/2000، اعتبر نصر مسألة تأمين باصات تراعي بمواصفاتها ذوي الإعاقة والإحتياجات الخاصة، وتفعيل النقل المشترك بشكل عام، حاجة ماسة، سائلاً بدوره عن مصير الباصات التي من المفترض على الدولة تأمينها.

قد تبدو مشكلة تفعيل النقل المشترك بما يتلاءم وحاجات المواطنين اللبنانيين عموماً، وذوي الإحتياجات الخاصة خصوصاً، وكأنها تدور في حلقة مفرغة ما يجعل من ذوي الإعاقة والإحتياجات الخاصة، بالدرجة الأولى، ضحايا الدولة اللبنانية المتنصّلة من المعاهدات الدولية ومن تعهدات وزاراتها، فتُكثِر من الكلام والوعود وتقلّل من الأفعال والجهود. إلّا أنّ مساعي جمعية حقوق الركاب بالتعاون مع الإتحاد اللبناني للأشخاص ذوي الإعاقة الهادفة إلى تأمين تطبيق مواد القانون 220/2000 ومندرجاته لا تتوقّف.

في هذا السياق، جاء أخيراً البيان المشترك الصادر عن الجهتين، لمناسبة اليوم العالمي للأشخاص ذوي الإعاقة في 3 كانون الأوّل من كل سنة، ليذكّر وزير الأشغال والنقل بهذا القانون الذي يلزم وزارة النقل، في مادته الرابعة والأربعين، بتأمين باصات دامجة لذوي الإعاقة. كما تضمّن هذا البيان مطالبة الوزير بالعمل على تعديل وصيانة الباصات التي تملكها الدولة بما يجعلها مناسبة للإستخدام من قبل ذوي الإحتياجات الخاصة.

وبموازاة التوجهات الرسمية، تتصدّر المبادرات الخاصة التي تقوم بها جمعيات ومنظمات من المجتمع المدني، كمنظمة Red Oak وجمعية Arc en ciel واجهة المشاريع الهادفة إلى تأمين حاجات ذوي الإعاقة أكان في مجال التنقّل أو على الصعد الصحية والتربوية والإجتماعية والإقتصادية المختلفة. وليس أقلّ هذه المبادرات تلك المخصّصة لتمكينهم وحمايتهم ومساواتهم مع سائر المواطنين ودمجهم في المؤسسات التربوية والوظائف العامة والخاصة مع ما يرافق ذلك من توفير لإمكانيات التنقّل ضمن معايير السلامة والأمان.

 

المصادر ولمزيد من المعلومات:

Redoak

www.redoaklb.org

الإتحاد اللبناني للمعاقين جسدياً
http://lphu.com/

 

جمعية حقوق الركاب

https://www.facebook.com/RidersRightsLebanon/

جمعية arcenciel

https://www.arcenciel.org/en/

عن Rita Chahwan

ريتا بولس شهوان، صحافية وباحثة ساهمت في عدد من الكتب منها "الكويت وإرادة الاستقلال في الوثائق العثمانية" و "ماذا فعل مدحت باشا في الخليج"(ذات السلاسل) وعملت في عدد من الصحف والمواقع الالكترونية العربية. تلقت تدريبات دولية على الاستقصاء وتخصصت في الاستقصاء الاجتماعي – الاقتصادي كما تولي اهمية كبيرة للشأن السياسي.

شاهد أيضاً

مدير عام وزارة الصحة فادي سنان: يتم التعاطي مع الـ “أيكوس” كأي منتج تبغ ويعاقب الترويج له

ترعى فيليب موريس لبنان سلسلة مقالات تسويقية للمنتج “أيكوس” – دخان مسخن – التي منحت …