الخميس , يناير 27 2022
aren

انفراج العلاقات بين تركيا والمحيط العربي ما تبعاته وآفاقه؟

تغيرات عديدة تطرأ على العالم العربي، وعلاقاته. فتارة يشهد تبدل في العلاقات مع سوريا أخرى تبرز اخبار عن تواصل تركي في الشرق الأوسط تحديدا بين الامارات والسعودية. سأل الخبر الباحث المستقل حامل شهادة الدكتوراه في العلاقات الدولية من جامعة كوجالي في تركيا طارق البيطار حول ذلك:

 

1- هذا الانفتاح التركي. السعودي  الإماراتي هل ينعكس على قطاع الأعمال او هو مجرد كلام وحوار وزيارات؟

بداية لا بد من الرجوع لفترة ما قبل الازمة الحالية  بتداعياتها الاقتصادية و الاجتماعية و الديبلوماسية،

فإذا ما نظرنا للعلاقات التركية الخليجية بشكل عام و التركية – السعودية ، التركية – الاماراتية على وجه الخصوص، في فترة ما قبل الازمة ، يمكننا القول ان هذا الانفتاح ليس وليد اللحظة  بل هو نتاج قرابة عقدين من التفاعلات الاقتصادية و الثقافية و السياسية بين هذه الدول و تركيا.

اذاً فإن المصطلح الاكثر ملائمة لوصف ما يحدث اليوم هو  تطبيع العلاقات ما بين تركيا و ما بين المملكة العربية السعودية من جهة و الامارات العربية المتحدة من جهة. و اقصد من هذا التفريق الاشارة إلى التباين في المواقف فليس من الصحيح بكل حال اعتبار  مواقف كل من المملكة العربية السعودية و الامارات العربية المتحدة موقفاً واحداً متماهياً في ظل تباين العديد من المصالح بين سياستيهما.

و بالعودة للإجابة على سؤالكم فإن كلا هذين التطبيعين هو  نتاج رغبة مشتركة بين الاطراف المعنية . أما عن وتيرة التنفيذ فإن التصريحات تأتي متسارعة على جبهة الامارات العربية المتحدة – تركيا  و أظن ان هذه التصريحات سوف تتحول إلى خطوات عملية في المستقبل القريب.

أما على جبهة المملكة العربية السعودية فإن التصريحات الرسمية اكثر خجلاً و ابطأ وتيرةً و إن كانت المؤشرات تذهب باتجاه التطبيع.  أما على صعيد العلاقات التجارية و الخطاب السائد في الفضاء العام ( تويتر مثالاً) فلا تزال الرغبة الشعبية (او الظاهر منها على الاقل) تنظر بريبة و حذر تجاه هذا التطبيع و هذا الحذر ليس مستغرباً نظراً لان الفعاليات الاقتصادية تحتاج لبيئة سياسية و قانونية مستقرة بشكل اكثر استدامة.

 

٢. ما الفائدة من هذا الانفتاح؟

اصر على استبدال مصطلح الانفتاح بمصطلح الانفراج في العلاقات او التطبيع.

و هذا التطبيع يحمل فوائد مشتركة لكل الاطراف بلا شك. فليس من المنطق أن تقاطع الامارات العربية المتحدة التي تعتبر مركزاً اقليمياً للتجارة و الاعمال اقتصاداً محورياً بحجم الاقتصاد التركي.

هنا لا بد من التذكير بأن الامارات العربية المتحدة لا تزال تمتلك ميزاناً تجارياً ضخماً مع ايران التي تعتبر نقيضتها في كل من السياسات الاقليمية و الدولية فكيف بها تقاطع تركيا التي تعتبر خلافاتها معها اقل جوهرية. هنا يعول على درجة البراغماتية التي سوف يظهرها كلا الطرفين للتغاضي عن خلافاتهما بغية تحقيق العوائد الاقتصادية المأمولة و التي يحتاجها الطرفين خاصة في ظل تداعيات ازمة كورونا التي خنقت كلا الاقتصادين.

أما بالنسبة للعلاقة مع المملكة العربية السعودية فإن تركيا ترغب و بشدة بزيادة صادراتها  للمملكة و  تحسين عائداتها من السياح السعوديين الذين أصبحوا يفضلون وجهات مختلفة.

و مع أن المملكة التي لطالما استخدمت ورقة الاقتصاد للضغط على خصومها قد تمتلك اليد الطولى في حل هذا النزاع. فإن الصناعات الدفاعية التركية (تحديداً المسيرات التركية التي لعبت دوراً هاماً في عدة نزاعات عسكرية اقليمية مؤخراً)  تمثل بلا شك ورقة رابحة بيد تركيا يمكنها استعمالها بغية تحسين علاقاتها مع المملكة.

 

٣- ما هو تاريخ الخلافات وما الذي حل من الملفات الخلافية

بداية هناك التنافس الاقليمي فتركيا عادت إلى المنطقة العربية و اخذت تتدرج في اظهار قوتها  خلال العشرين عاماً الماضية حيث بدأت باظهار اوجه القوة الناعمة (ثقافة و سياحة و تجربة بلديات مميزة) إلى حين تفاقم الوضع السوري حينما أخذت تركيا تظهر أوجه قوتها الصلبة من اقتصاد صناعي منافس و صناعات حربية و قوة ردع عسكرية فاعلة على الارض.

اذاً فإن عودة تركيا إلى المنطقة كقوة إقليمية ذات مصالح في الشرق الأوسط و شمال افريقيا يجعل التنافس حقيقة حتمية لا بد منها مع  الدول الفاعلة أيا تكن ، فليست المصادفة و إنما نظراً لأن الامارات العربية المتحدة و مصر و المملكة العربية السعودية  و إيران هي الدول الاكثر فاعلية في المنطقة فإن التصادم معها هو امر لا مفر منه.

و بما أن تركيا قد احتضنت الحركات الديمقراطية  لما سمي بالربيع العربي و لا سيما ذات الطابع الاسلامي منها و راهنت على صعود تلك الحركات إلى سدة الحكم فقد أخدت طرفاً مغايراً للدول الاكثر محافظةً مثل المملكة و الامارات و هنا أيضاً يكمن جوهر الخلاف.

و لا بد من الإشارة إلى بعض التحرشات مثل دعم الامارات العربية المتحدة لمحاولة الانقلاب في تركيا عام ٢٠١٦ و بعض قصص الجواسيس المرتبطين بهذا الملف، و أيضاً لا بد من ذكر ملفات سوريا و ليبيا و قبرص و دعم حزب العمال الكوردستاني و روافده .

أيضاً لا بد من ذكر اصطفاف تركيا لجانب قطر خلال ازمة المقاطعة  و احتضان تركيا لمعارضي كافة الانظمة العربية  كما و استثمار قضية المرحوم جمال خاشقجي بشكل احرج المملكة.

كل تلك الملفات كما سبق و ذكرت  ناجمة عن تضارب المصالح للدول الاكثر فاعلية في المنطقة. و لا يمكن إلا أن تؤدي للتصادم الحتمي و الذي لا مفر منه.

 

٤- ما الذي استجد ؟

بما أن السياسة هي فن الممكن فلا يوجد  فيها شيء ثابت و إنما يوجد متغيرات تحرك سلوك الدول اما للتجاذب او للتنافر .

إن المعطيات الموجودة تقول أن الازمة الاقتصادية الناجمة عن فايروس كورونا قد انهكت اقتصادات كل الدول بما فيها تركيا و مصر و دول الخليج العربي، فكل تلك الاطراف تنظر الآن بمنظار اكثر براغماتية للوضع القائم و تحاول التقليل من تداعيات الازمة قدر الامكان من خلال تنشيط التجارة الدولية و الاستثمار الاجنبي.

كما أن الدول قد انهكت من دعم النزعات في أحزمة التوتر فلم تعد اقتصاداتها تتحمل و هو ما انعكس على شكل تهدئة اقليمية في اكثر من حزام من أحزمة التوتر.

و يمكن القول بكل ثقة بأن حالة الغموض التي صاحبت مجيء الادارة الامريكية الحالية قد ساهمت أيضاً بشكل كبير في تراجع الخلافات الاقليمية بين قطر من جهة و بين الدول الاربع المقاطعة من جهة اخرى ، و هذا ما أتاح مناخاً ملائماً للتطبيع التدريجي الذي نشهد بداياته الخجولة حالياً.

 

٥. هل يعني ذلك أن هناك مرحلة جديدة في العلاقات التركية – العربية والخليجية؟

أعود و أكرر لا يمكن ان نعتبر العلاقات التركية العربية مصطلحاً صحيحاً فلا يوجد موقف عربي موحد من تركيا و لا من اي قضية اخرى أما اذا كان السؤال عن العلاقات السعودية التركية والاماراتية التركية و المصرية التركية فأعتقد أن تخفيف التوتر هو شيء مرحلي و لا اعتقد ان التنافس الاقليمي سوف ينتهي في المستقبل القريب و لكن يمكن أن تدفع البراغماتية السياسية بصناع السياسات الحاليين الى التغاضي عن ما مضى في سبيل تحقيق مصالح جديدة.

فتركيا حليف جيد و قوي  وصاحب صناعة دفاعية واعدة  و قد أثبتت  تركيا بجدارة أنها لا تتخلف عن حلفاءها بل تدعمهم للنهاية، و لتركيا مصالح اقتصادية مهمة مع كل تلك الدول كأسواق للتصدير و مصدر للسياح ، و لا سيما و أن الاقتصاد أصبح الخاصرة الرخوة لحزب العدالة و التنمية و هو ما تستغله القوى السياسية المعارضة في البلاد للفوز بالاستحقاق الانتخابي القادم في ٢٠٢٣.

 

عن Rita Chahwan

ريتا بولس شهوان، صحافية وباحثة ساهمت في عدد من الكتب منها "الكويت وإرادة الاستقلال في الوثائق العثمانية" و "ماذا فعل مدحت باشا في الخليج"(ذات السلاسل) وعملت في عدد من الصحف والمواقع الالكترونية العربية. تلقت تدريبات دولية على الاستقصاء وتخصصت في الاستقصاء الاجتماعي – الاقتصادي كما تولي اهمية كبيرة للشأن السياسي.

شاهد أيضاً

لم استقالة قرداحي لم تؤدي الى حل؟

البيان الفرنسي السعودي الذي حدد الاطار العام للتعاطي مع لبنان ركز على وضع السلاح تحت …

%d مدونون معجبون بهذه: