الإثنين , مايو 16 2022
aren

صخرةٌ تفيضُ حياةً

د. أحمد علي شحوري

1-…نَهَضْتُ، ذاتَ يومٍ، معَ دَقائِقِ الفَجْرِ الأولى، حينَ تَمُدُّ الشَّمْسُ أنامِلَ النّورِ تَشُقُّ سِتارَ الدَّيْجورِ، فَتُفَتِّقُ أجْفانَ الوُجوْدِ، وتَمْلَأُ رِئَتَيْ الطَّبيعَةِ أَنْفاسَ حَياةٍ وبقاءٍ! خَرَجْتُ مِنَ المَنْزِلِ أَهيْمُ في الحُقولِ والوِدْيانِ، تَقودُنِي رَغْبَةٌ عارِمَةٌ في إشْباعِ نَفْسي المُتْعَبَةِ بِخُبْزِ السَّكِيْنَةِ، وَفُتاتِ المَعْرِفَةِ واكتِشافِ المَجْهولِ.


2-رُحْتُ أَسيْرُ سارِحًا، حالِمًا، مُنْتَشِيًا بِلَوْحَةِ الطَّبيعَةِ السّاحِرَةِ فَجْرًا، وَكَأنَّنِي أَطيْرُ فَرَحًا عِنْدَ تُخوْمِ السَّحابِ! وَفَجْأَةً، صَحَوْتُ مِنْ حُلُمي؛ فإِذا بي أَرْتَطِمُ بِصَخْرَةٍ عِمْلاقَةٍ! شَرَعْتُ أَتَحَسَّسُهَا بِيَدَيَّ، فَسَرَتْ بُروْدَةٌ خَفيْفَةٌ في مَسامِ جِلْدِي. فَما أَنْعَشَها تُطْفِىءُ حُرْقَةَ القَلْبِ، وَتَرْوي جَفافَ الفِكْرِ، وَتُريحُ الأعْصابَ! وَلَمَسْتُ صَلابَتَها، وَعِنادَهَا، فانْدَهَشْتُ: “كيفَ لِهَذِهِ الصَّلابَةِ أَنْ تَحْضنَ بُروْدَةً تُنْعِشُ وَتُلينُ كُلَّ كائِنٍ جافاهُ الأُنْسُ والرّاحَةُ؟!”


3-وَحانَتْ منّي التِفاتَةٌ إلى صَخْرَةٍ صَغيْرَةٍ فَوْقَ مُرْتَفَعٍ تَدْعوْنِي إلى الجُلوْسِ فَوْقَهَا. لَبَّيْتُ الدَّعْوَةَ…جَلَسْتُ فَوْقَها أَتَأمَّلُ عَظَمَةَ الخالِقِ. فَلَيْتَكَ تَرى ما أَراهُ! أَرى الصَّخْرَةَ الكَبيْرَةَ مُرْتَفِعَةً، تَشُقُّ بِكِبْرِياءٍ عنانَ الفَضاءِ مُسْتَعْصَيَةً على كُلِّ “طُفَيْلِيٍّ” مَغْرورٍ حَلِمَ في اعْتِلاءِ صَهْوَتِهَا! أَراهَا تَشْمَخُ صامِدَةً، عَنيْدَةً، تَطْحَنُ غُبارَ الأيّامِ بَيْنَ كَفَّيْهَا؛ فَلا تَبْلى! يَموْتُ الزَّمانُ ولَا تَفْنى!


4-لَيْتَكَ تَرى نُوْرَها اللُّجَيْنِيَّ يَشُعُّ بَياضًا! فَيُبَدِّدُ في نُفوْسِنَا مَساحاتٍ مُظْلِمَةً مِنَ الكَآبَةِ والضَّجَرِ! حَبَّذا لَوْ نُلَوِّنُ مَشاعِرَنا بِصِفائِهَا الأَزَلِيِّ وإِنْ تَبَدَّلّتِ الفُصولُ وَالعُصورُ. فَكَأَنِّي بِهَا تَقولُ: “لا تَبْخَلْ على الحَياةِ بِابْتِسامَةٍ؛ فَمَتى قَطَّبْتَ حَاجِبَيْكَ تَرَ الوُجوْدَ عَبوْسًا!”.


5-وَلَشَدَّ ما أَعْجَبَني تَوَاضُعُها الكامِنُ فِي شُموْخِهَا! أَتَحْسَبُ ارْتِفاعَها كِبْرِياءً وَاسْتِعْلاءً؟! لا، يَا صاحِ؛ بل هُوَ تَعالٍ عَنْ الصَّغَارَةِ وَالحَقَارَةِ! فهَلْ أَدْرَكْتَ مَرَّةً التَواضُعَ الكامِنَ فِي كِبْرِيائِها، وَالحَنانَ فِي قَسْوَتِها، وَالبَسْمَةَ فِي عُبوْسِهَا؟! فَمالَكَ وَقَدْ انْحَنَتْ رَأْفَةً لِتُتَوِّجَ “جُبَّ صَعْتَرٍ بَرِّيٍّ” فَوْقَ هامَتِها، فَبانَ كَتِيْجانٍ يُكَلِّلُ غُرَّتَها النّاصِعَةَ البَياضِ!!


6-أَنْعِمْ بِذَلِكَ المَشْهَدِ ما أرْوَعَهُ! كيفَ لَتلكَ الصّخرةِ الشّامخةِ أنْ تَسْتَضيْفَ ذلِكَ “الجُبَّ البَرِّيَّ” في أَعْلى مَرْتبَةٍ، ثُمَّ لا تَكُفُّ عَنْ تَأمينِ زادِهِ على الرَّغْمٍ مِنْ جُشُوْبَة العيشِ هُنَاكَ؟! اسْتَغْرَقْتُ في التَّفكِيرِ هُنَيْهَةً، فَتَصَوَّرْتُ آيَةَ وِلادَتِهِ المُعْجِزَةِ حينَ راحَتْ أمُّهُ الصَّخرةُ تَبْسطُ كَفَّيْها تَلْتَقِطُ حَفْنَةً مِنَ الغُبارِ المُتَنَاثِرِ، ثُمَّ تَعْجُنُها بِقَطَرَاتِ النَّدَى، فَتُوَدِّعُها إحْدَى حَنَايَاهَا الدّافِئَةِ لِتَدُبَّ نسمةُ الرّوْحِ في الجَمادِ، وَيُشْرِقَ الأمَلُ في ظُلْمَةِ النِّسْيانِ، وتَسْتَيْقِظَ بِذْرَةٌ غَفَتْ مُنْذُ سِنِينَ تَحْلمُ بِأَنْ تَصِيرَ “جُبَّ صَعْتَرٍ”حَيًّا تَتَمَدَّدُ جُذورُهُ عَمِيْقَةً في شُقُوْقٍ عَصِيَّةٍ، وَتَرْتَفِعُ سِيقانُهُ طَرِيَّةً نَحْوَ كَتِفَي السَّماءِ!


7-فَكَمْ أَنْتِ مِعْطاءُ يا صَدِيقَتِي الصَّخْرَةُ! وَكَمْ أَنْتِ أَميْنَةٌ عَلى حِفْظِ حَياةِ سِواكِ مِنَ الكائِناتِ! أَسْمَعُكِ تَهْمسينَ: “رَبِّ، فَلْتَحْفَظْني مِنْ شَهْوَةِ الجَشَعِ، وَنارِ الطَّمَعِ. آمينْ!”.

عن Guest Contributor

شاهد أيضاً

في ملتقى قراءة النص بجدة: د. الخضري يناقش مستقبل الصحافة الورقية في مواجهة السوشيل ميديا

الرياض ـ يشارك المستشار الإعلامي الدكتور خالد الخضري بورقة علمية بعنوان: ” مستقبل الصحافة الورقية …

%d مدونون معجبون بهذه: