الجمعة , يونيو 24 2022
aren

“بقاعين”.. نموذج للتعايش الديني في الاردن يحوّل الإعاقة والظلام إلى طاقة ونور

عبير هشام ابو طوق

في أحد أقدم الأماكن السكنية في عمّان، يتخذ الفنان الأردني سهيل بقاعين مكانا لمرسمه، حيث يطلق عليه اسم “دارة سهيل”، والذي يقع في جبل اللويبدة، الذي يحتضن أطفالاً وشباب فقدوا نعمة البصر، حيث يعج المكان باللوحات والأوسمة والصور مع العديد من الشخصيات المحلية والعربية والعالمية. وبقاعين، شأنه شأن العديد من المواطنين الاردنيين، أطلق مبادرات نوعية تهدف الى تحقيق قيم المساواة للمجتمع الذي يضم العديد من الجنسيات والديانات، بحيث تتمثل المبادرات المجتمعية على اختلافها في ترسيخ مفهوم العيش المشترك الذي يتميز به الأردن ويحرص بكل فئاته على تفعيل المصطلح على ارض الواقع، مما يساهم في خلق بيئة اجتماعية تخلو لحد ما من الفوارق بين طبقات الشعب على اختلافها.

كان بقاعين مولعا بالفنون والرسم والخط العربي منذ طفولته، تتلمذ على يد مدرسه “كايد عمرو” الذي تنبأ بموهبته حيث قال له: “سيكون لك مستقبلاً فنياً واعداً”. هذه النبوءة تحققت، حيث حصل بقاعين في طفولته على جائزة من “اليونسيف” لعمل فني قدمه في عمر 10 سنوات فقط، وهذه الموهبة التي رسخها بالأعمال الفنية المتعددة والقراءات والمشاركة في المعارض المحلية، والعربية والعالمية، حفزته لإطلاق مبادرة من نوع خاص قبل سنوات. هي مبادرة فنية، يتجاوز تأثيرها الرسم فقط والإبداع، حيث يتعدى أثرها لتحقيق التوازن النفسي وكشف المواهب واستثمار أوقات الفراغ لفئة الأطفال المكفوفين من مختلف مناطق المملكة ومن مختلف الأعمار والبيئات الإجتماعية.

تعايش يتعدى الاختلافات

بقاعين مواطن أردني مسيحي، ولد في عمّان ودرس فيها وبدأ منها حياته المهنية حيث كان مولعاً بالسفر والترحال، حيث عمل مع العديد من الشركات السياحية وأبرزها الخطوط الجوية اللبنانية، بحصيلة خبرات مهنية وعملية تتجاوز الـ 25 عام، وما لبث في العام 2005 أن حطت طائرته في عمّان ليقدم نموذجا يُحتذى في التعايش بين المسلمين والمسيحيين في المملكة التي يبلغ عدد سكانها (10806) مليون نسمة، بحسب عدد السكان المقدر للمملكة الأردنية الهاشمية الصادر عن دائرة الإحصاءات العامة في العام 2020، علما بأن لا احصائيات رسمية لأعداد المسيحيين في الأردن، بل ثمة أرقام تقريبية ظهرت في عدد من الدراسات والمقالات الصحفية تقدر أعداد المسيحيين بـ 4% من تعداد سكان الأردن.

والحال ان ما يقوم به بقاعين يؤكد قيم التعايش والتآخي الديني في الأردن، بين المسلمين الذين يشكلون الغالبية العظمى لسكان المملكة، وبحسب ما نشره موقع “جراسا” الإلكتروني الذي يتخذ من الأردن مقرا له، فقد ورد فيه أن المسيحيين يتمركزون في شمال وجنوب الأردن، وخصوصاً في مدن مأدبا، عجلون، الفحيص، ماحص، الكرك، اربد، الزرقاء إضافة إلى العاصمة، وهم ممثلون في البرلمان بـ 9 مقاعد من أصل 110 كما أن لهم تمثيل في الحكومة ومختلف أجهزة الدولة.

تنتشر بين الحين والآخر عبر مواقع التواصل الإجتماعي تحديدا وسائل الاعلام المحلية العديد من الأخبار التي تجسد التعايش، من خلال تنظيم جهات مسيحية أو ربما أفراد إفطارات للمسلمين الصائمين وتحديدا في شهر رمضان المبارك، هذا الشهر الذي تتجلى به صور الخير بين المسلمين والمسيحيين الذين يحرصون على تنظيم نشاطات ميدانية تتمثل بتوزيع الماء والتمر على المشاة والسائقين المتواجدين في الشوارع والاماكن العامة خلال فترة الغروب ورفع آذان المغرب، وحتما العديد من الانشطة والفعاليات الرمضانية وذلك للمساهمة في تحقيق صورة إيجابية مشرقة.

نموذج اجتماعي ايجابي

طلاب الاكاديمية الملكية للمكفوفين كانوا محظوظين في بدايات العام 2011 ولغاية الآن، حيث تم تبني مواهبهم من قبل الفنان بقاعين الذي يعتبر أن مبادرته هدفها “إنساني بحت”، مبيناً أن الفنان بشكل خاص يجب أن يسعى لترك بصمة في مجتمعه، باكتشاف المواهب الدفينة لدى جميع فئات المجتمع، فالمبادرة غاياتها إنسانية ونبيلة توجها الوسام الملكي من الملك عبد الله الثاني “وسام التميز من الدرجة الثانية” والذي حصل عليه بالتزامن مع إحتفالات المملكة في عيد الإستقلال في العام 2017. النموذج الإيجابي الذي يجسده بقاعين، المتمثل في العديد من المبادرات والأفكار الفنية الإبداعية رغم أهميته النفسية والمعنوية، لا يعتبر فريدا من نوعه في العاصمة عمّان التي تزخر بالعديد من النماذج الرائدة للتعايش الديني الذي تشهده كافة محافظات وقرى المملكة، فالشاب ربيع زريقات 35 عاما، مسيحي، ينخرط في العمل التطوعي في منطقة الأغوار الجنوبية شمال المملكة منذ أكثر من 10 سنوات، يقدم لسكان المنطقة وغالبيتهم من المسلمين العديد من الدورات والفرص التطوعية التي تهدف لرفع سوية مجتمعاتهم.

آلاء، إحدى المتطوعات في برامج تنموية تستهدف جميع السكان بغض النظر عن الديانة، تتحدث عن تجربتها في العمل التطوعي. تقول: “في رمضان يزداد الاقبال لدينا من الاخوة المسحيين للتطوع في تنظيم افطارات الصائمين سواء عبر الخيم أو في الأماكن العامة وتحديدا للأسر في الأحياء الفقيرة في عمّان وغيرها من المحافظات”. وتتحدث الصحفية سهر ضرغام عن أهمية هذه المبادرات سواء الفنية أو المجتمعية، قائلة: “هذا ما يميز الأردن، تجد فيها مواطنين ومقيمين على ارض المملكة من كافة الأقطار والديانات، ولكن تجمعهم روابط رائعة تجسد أهمية الإنسان مهما اختلفت عقيدنه ومذهبه”، يتشارك كل هؤلاء مع بقاعين، تلك الأدبيات الانسانية.

يؤمن بقاعين برسالة الأديان السماوية التي تتحدث عن أهمية الفرد في المجتمع، مستشهدا بالآية القرآنية الكريمة “قل لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب”، كذلك ما ورد في الإنجيل في ذات السياق “طوبى لمن آمن ولم يرى”، مؤكدا أن الإنسان له حقه في الكشف عن مواهبه واحترام رأيه وثقافته ومعتقداته بغض النظر عن إي اعاقات جسدية، مضيفاً: “الله تعالى كرّم بني آدم، فهؤلاء أصحاب الهمم ولهم قدرات جبارة لا بد من استثمارها بالشكل الإيجابي مما يعود بالنفع على الإنسان ذاته والمجتمع ككل، وهذا ما نلحظه من خلال العديد من النماذج لقادة وعلماء وأصحاب شأن حققوا إنجازات كبيرة رغم الإعاقة التي أصيبوا بها”.

تعايش ديني

ويعدّ جبل اللويبدة الذي يحتضن أطفال وشباب فقدوا نعمة البصر، ولكنهم حتما لم يفقدوا البصيرة، مثالاً واضحاً على التعايش بين الأديان، ولا يعتبر الوحيد.. فمحافظة مأدبا على سبيل المثال يشكنها مسامون ومسيحيون يتعايشون معا ويحتفلون بالمناسبات الدينية للمسلمين والمسيحيين على حد سواء، ويتم سنويا إضاءة شجرة عيد الميلاد المجيد بمشاركة رسمية واسعة إلى جانب المشاركة الشعبية، مما يدل على أهمية العيش المشترك وتطبيقه على أرض الواقع قولا وفعلا، مما يؤكد أن الأردن مهد الديانات، ففي مختلف المحافظات تتواجد العديد من الأماكن السياحية والاثرية التي تؤكد عراقة تاريخ الأردن الذي يضم – على سبيل المثال – المكان المقدس “المغطس” حيث تعمّد السيد المسيح عليه السلام، اضافة الى أن محسناً من أهل الخير المسلمين الذين يتحدرون من سكان محافظة مأدبا، قد تبرع ببناء مسجد للمسلمين تقام فيه الصلوات الخمس والاحتفالات الدينية وأطلق عليه اسم “مسجد المسيح عيسى بن مريم” في إشارة واضحة للتعايش بين المسلمين والمسحيين على أرض الأردن. مبادرات بقاعين تعتبر وغيرها مثالاً حياً وعملياً وواقعياً لأن الانسان يستحق الاحترام بغض النظر عن جنسه وديانته، فقيم الانسان تعلو فوق كل الاختلافات وهذا ما يتجلى بالنتائج الفعلية للمبادرات على اختلاف أنواعها مما يؤكد وبشكل فعلي ان الاردن مهد الديانات.

عن Guest Contributor

شاهد أيضاً

مدير عام وزارة الصحة فادي سنان: يتم التعاطي مع الـ “أيكوس” كأي منتج تبغ ويعاقب الترويج له

ترعى فيليب موريس لبنان سلسلة مقالات تسويقية للمنتج “أيكوس” – دخان مسخن – التي منحت …