الإثنين , يناير 25 2021
aren

قانون الاثراء غير المشروع يطبّق فقط على المدعيّ …. حسب رغبة القاضي!

المحامي وائل همّام

 

عام 1990، نتيجة اتفاق لوضع حد لحرب أهلية، مزقت لبنان وقتلت شعب اشتهر على مدى الأزمان بالحضارة واحترام المؤسسات ودولة القانون حتى سميت عاصمة هذا اللبنان بأم الشرائع، انتقل أمراء الحرب الأهلية ورؤساء المحاور من الجبهة العسكرية وتمركزوا على الجبهة السياسية مكرسين سطوتهم على البلاد باتفاق الطائف وشرعوه عبر إضافته إلى مقدمة الدستور اللبناني. حصن اذاً رؤساء المحاور الجدد مواقعهم الجديدة عبر الدستور بتكريس الطائفية التي نقلتهم من واحة الى واحة لا تختلف كثيرًا عن سابقاتها لضمان استمراريتهم دون إمكانية لعزلهم أو إقالتهم أو حتى توجيه اللوم والعتب، فصنفوا انفسهم آلهة ديماغوجية لشعب مفتت نسجه، غارق بالطائفية والمذهبية والحقد، في وطن مهزوم آنذاك، مغلوب على أمره.

منذ ذلك الحين تحول مفهوم السياسة في لبنان من العام أي خدمة للناس، لمفهوم مغاير تماماً، مجزأ ضيق، يخدم مصالحهم الخاصة ومصالح أحزابهم وأزلامهم وطائفتهم، حتى تحول الشعب اللبناني العظيم إلى رهينة غير قابلة للاستعادة.

هكذا من جيل الى جيل وحتى تاريخه فاحت رائحة الفساد في الدولة، وتعالت أصوات بعض اللبنانيين، فما كان من السلطة الحاكمة، بالإتفاق فيما بينها، إلا إقرار القانون رقم / 154/ تاريخ 27/11/1999 المعروف بقانون الإثراء غير المشروع، في محاولة لا تهدف إلى محاسبة الفاسدين والمهدرين، بل لضرورة تلميع صورتهم أمام الرأي العام والمجتمع الدولي لضمان الإستمرارية وطبعًا ركنوا الى الاعلام لهذا الهدف.

إن القانون المذكور ( القانون رقم / 154/ تاريخ 27/11/1999 ) عرّف الإثراء في الفقرة الأولى من مادته الأولى على انه الإثراء الذي يحصل نتيجة رشوة، صرف نفوذ، استثمار وظيفي أو أي وسيلة غير مشروعة وان لم تشكل جرماً جزائياً،

أما بالنسبة إلى الفقرتين الثانية والثالثة من المادة عينها، فقد أضافتا إلى التعريف، الإثراء الذي ينتج عن استملاك، نيل رخص الإستيراد والتصدير والمنافع الأخرى إضافة إلى نيل أو سوء تنفيذ المقاولات مع اشتراط حصولها خلافاً للقانون.

 

هنا لا بد من بعض الأسئلة الضرورية:

 

هل يحق للموظف العام أو القائم بخدمة عامة من الإستفادة من أي أعمال تجارية أو غيرها من مالية الدولة؟ ألا تعتبر مجرد استفادته مالياً مخالفة بحد ذاتها للقانون؟ والأهم، كيف لمن يحكم البلاد مباشرة وعبر أزلامه في السلطة ومن يقوم بالأعمال لحسابه، ألا يشرع مخالفاته؟ وهم المسيطرون على كل المؤسسات العامة  في اتفاقية محاصصة فيما بينهم على قاعدة تقاسم مغانم الدولة ومقدراتها.

عرّف قانون الإثراء غير المشروع الأشخاص المعنيين به بموظفي القطاع العام، القائمين بالخدمة العامة، القضاة أو من يعيرونه اسمهم، إضافة إلى النواب والوزراء والرؤساء الثلاثة أي كل من أسندت اليه وظيفة عامة سواء بالتعيين أو بالانتخاب.

فكيف تتم التحقيقات وعلى أي أساس؟

يفرض القانون على بعض الأشخاص المذكورين أعلاه، لا سيما الموظفون والقضاة من الفئة الثالثة وما فوق والمراقبون والمدققون في وزارة المالية كما الضباط وموظفي الجمارك تقديم تصريح عن أموالهم إلا أن المفارقة هي بحصر هذا التصريح بالأشخاص المعددين إضافة إلى أزواجهم وأولادهم القاصرين، أي أن الأولاد غير القاصرين لا يتم التدقيق بأموالهم على اعتبار انهم لا يشكلون ذمة مالية واحدة مع عائلتهم، مما يسمح للمرتكبين بالالتفاف على هذا القانون، والتهرب من أحكامه.

أما المعايير المعتمدة للملاحقة فهي محددة على سبيل الحصر بتملك المشكو منه أو بواسطة الأشخاص المعددين أعلاه أموالا لا تمكنه موارده المالية العادية من تملكها، أو الشخص الذي تظهر عليه مظاهر الثراء التي لا تتفق مع تلك الموارد.

بناء على ما تقدم، يمكن لأي متضرر، أن يتقدم بشكوى سنداً لأحكام قانون الإثراء غير المشروع أمام النيابة العامة أو مباشرة أمام قاضي التحقيق الأول في بيروت على أن تقترن الشكوى بكفالة مصرفية بقيمة خمسة وعشرين مليون ليرة لبنانية كشرط لتسجيل بالشكوى، كما وبالمستندات المثبتة لوقائع الشكوى.

كما يمكن للنيابة العامة الإدعاء مباشرة أمام قاضي التحقيق على أن تضم متن شكواها كافة المستندات التي كونت قناعتها.

وهنا لا بد من التساؤل عن عدم تحديد آلية لتعريف المتضرر المخول تقديم الشكوى، أهل يشمل كامل الشعب اللبناني من مسددي الضرائب أم يخضع تحديد المتضرر لإستنسابية القاضي؟

أما قاضي التحقيق، وبعد التأكد من وجود المستندات، وجديتها، أن يقرر إبلاغ المشكو منه للدفاع عن نفسه، مما يمنح القاضي سلطة استنسابية تقديرية في قبول أو رد الشكوى، حتى دون إجراء أي تحقيق بنفسه. على أن تنظر محكمة الإستئناف الجزائية في بيروت حصراً في الدعوى كمحكمة درجة أولى ومحكمة التمييز كمرجعاً استئنافياً.

في حال صدر قرار بمنع المحاكمة أو إبطال التعقبات، يجوز للمحكمة أو لقاضي التحقيق الحكم بحبس الشاكي من ثلاثة أشهر إلى سنة، كما وتغريمه بما لا يقل عن مائتي مليون ليرة لبنانية، إضافة إلى العطل والضرر للمشكو منه بناء لطلبه.

الخلاصة التي يمكن استنتاجها، أن القانون رقم 154/1999 قانون الإثراء غير المشروع، أقرته السلطة التشريعية ليقينها انه غير قابل للتطبيق لا سيما في ظل الشروط التعجيزية المنصوص عنها بوجه المواطن المتضرر، فلا يكفيها الضرر اللاحق به، بل شرعت في زيادة الضرر عبر إلزامه بكفالة مصرفية كبيرة، كما وتهديده بعقوبة خيالية في حال لم تقبل شكواه، أو صدر بموجبها قرار بمنع المحاكمة وإبطال التعقبات، وكل هذا في ظل سلطة حاكمة مسيطرة عبر أزلامها على كامل مفاصل الدولة وصولاً إلى القضاء.

والإثبات على ذلك، هو عدم حصول أي ملاحقة منذ العام 1999 أي منذ تاريخ إقرار القانون وحتى تاريخه، ورغم ثورة 17 تشرين من العام 2019 التي نعيش في ظلها الآن، التي فضحت مفاصل الفساد، إلا أن السلطة الحاكمة ما زالت حتى تاريخه تمارس النأي بالنفس عن شعبها ومقدرات الوطن.

 

 

 

0

عن Guest Contributor

شاهد أيضاً

التوصية اليوم من مجلس النواب ماذا تعني عمليًا؟

المحامي وائل همام – ان التوصية من مجلس النواب، او من قبل أي من لجان …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: